عربدة الغوغاء وتشنّج الهويات



بقلم حامد الماطري

لم ارى مقولة استشرافية كهذه... قالها احمد ونيس ذات يوم من ربيع 2011 وقوبلت وقتها بحملة واسعة من الاستهزاء والسخرية. في الحقيقة، تنبّأ الرجل في كلماته الاربع بما لخّص الواقع التونسي للعشر سنوات اللاحقة، وربما لأكثر من ذلك.
في حرب الخليج الاولى، تقاتل العراق وإيران مدة ثماني سنوات كاملة. اغلب الشعب العراقي هو من الطائفة الشيعية، حاربوا آنذاك ابناء طائفتهم من الشيعة الايرانيين، ولم يتوقّف أحد عند ذلك.. ذلك ان الشخصية العراقية كانت تتقدّمها الوطنيّة العراقية ثمّ الشعور بالانتماء للقومية العربية، وكان ذلك سابقاً للرابط الديني، ناهيك الطائفي.


بعد حرب الخليج الثانية وسنوات الحصار فالاحتلال الامريكي، عرف المجتمع العراقي محناً كثيرة أثّرت بالوقت على الوحدة المجتمعية، وبالتالي ترتيب الهويّات فتقدّم بعضها وتأخّر آخر، حتى صار الانتماء الطائفي سابقاً على الوطني او العرقي مثلاً، وصار الحشد الشعبي يدين بالولاء لطهران قبل بغداد، بينا، ومع استفحال امر المالكي وطغمته الحاكمة في 2014، ذهب جزء هام من سنّة العراق الى الالتحاق بدولة "الخلافة" (اي ذهبوا حدّ سلخ الهوية الوطنية تماماً) لاعتبارهم ان النظام العراقي القائم وقتها لم يعد يمثّلهم ولا يحميهم!


تصادم الهويّات

طبعاً قد يختلف البعض معي حول هاته القراءة، ولكن الاكيد ان لكل منّا هويّات متعدّدة... انا تونسي، عربي، مسلم، متوسطي، بتوجه سياسي خاص بي، بتكوين خاص بي، وثقافة خاصة بي، من عائلة معينة وجهة معينة، واعمل في قطاع معين، وفي مؤسسة معينة وإدارة بذاتها، وكل واحدة من هاته الهويّات تعطينا قراءة خاصّة وتموقعاً مختلفاً تجاه مختلف المسائل، وكثيراً ما تجد بعض الهويات نفسها في تناقض وتصارع، وكثيراً ما نجد أنفسنا نتقاطع مع الاخرين في بعض الهويات، ونفترق معهم في انتماءات اخرى.

الموروث الثقافي والتاريخي التونسي غنيّ بالخلفيّات القبلية والطّبقيّة. ومن بين أكبر اخطاء دولة الاستقلال انها حاولت قسراً اذابة كل الهويّات في "stereotype رسمي" واحد.. لكن هذه الانتماءات بقيت مكبوتة في وجدان الناس، تأخذ تمظهرات عدّة عند جماهير الكرة او في العلاقات الأسريّة أو في المحاباة المهنية، بيد أن الدولة العميقة بقيت تدرك القوّة الكامنة في هاته الهويّات وكثيراً ما استعملتها كورقة ضغط أو وسيلة بروباغندا.

بعيد الثورة، انفجرت كل الهويّات المدفونة والمكبوتة، فعرفت السّنوات الاولى جدالات هويّاتيّة ساخنة. وان كان الصراع الهويّاتي المرتبط بالأسلمة والحداثة، الذي استعمل بحدّة في إطار الاستقطاب السّياسي، أكثر ما حظي بالتغطية الإعلامية، فإنّ الجانب "المصلحي" أسهم في تطوّر بعدين إثنين بالأساس، هما القطاعية (corporatism) والجهوية (regionalism)، واللذان تحرّرا من قيود الانضباط للمصلحة العامَّة وسرديّة الوطن الجامع لكلّ ابنائه.

مؤسف جدّاً ان اقول ما اقول، ولكن أعتقد ان اغلب التونسيين سيتّفقون مع ما سأقول (وان كان جزء منهم منخرط فعلاً في هذا السلوك): أصبح خطاب المصلحة الوطنيّة غير جذّاب، بل وغير مسموع إذا ما تضاربت المصلحة الوطنيّة مع المصلحة الشخصيّة. ولأنّ المصلحة الشخصية يلزمها إطار جماعي تتحرّك فيها (عشيرة)، فقد وجدت الناس غايتها أساساً امّا في التحرّكات القطاعية، او الجهوية.


من الاضراب الى رهن المصالح الوطنية

ربما مثلت الإضرابات العديدة والتي لم يسلم منها اي قطاع، مهما كان حساساً او حيوياً بالنسبة للمواطنين، أولى تمظهرات تحوّل الولاءات والأولويات، من ولاء نحو الدولة والمجتمع، الى ولاء نحو "العشيرة"، ولو كانت هاته العشيرة عصبيّة مهنيّة او وظيفية. ومع الوقت، صار التمرد أمراً واقعاً وأصبح الموظّف يدرك جيداً ان باستطاعته ان يغضب مديره، ولكنه لا يملك ان يعصي نقابته، ولو هَمَّت بحرق مورد رزقه.

كمثال، نجحت النقابات الامنية في تحقيق حالة من الحماية والحصانة الفعلية للأمنيين، بدرجة لم يكن النظام السابق في عزّ سطوته قادراً على بلوغها. كذلك أصبح "أمراء" الاعتصامات او الإضرابات عصيّين تماماً عن الملاحقات، ويتحدّون السلطة علناً وبلا حرج.

كذلك، لم يعطي الكثيرون بالاً لعدد من الخطابات التي انتشرت بكثرة في السنوات الاخيرة من نوع "بلادنا ما عملتللنا شيء"، و"ما نعرفوا أرواحنا توانسة الا ببطاقة التعريف". وها هي عائلات هنا او هناك تعبر الحدود او ترفع علم الجزائر، وأصبح الحديث عن الانفصال امراً سهلاً يمكن ان يقدم عليه حتى رئيس جمعية رياضية ممتعض من قرار تحكيمي...

طبعاً، سيحاججني البعض (في تواصل لعربدة الضوضاء وتشنج الهويات) بأن دولة "المركز" كانت سابقة في الإجحاف والظلم تجاه جهات معينة، ولفائدة جهات اخرى، وبالرغم من صحّة هذا الكلام في حالات عديدة، الا انه لا يمكن ان يبرّر بأيّ حال التعاطي السلبي مع الوطن، أو التنكّر له.
لما وقع تقبّل فكرة حصر الانتداب في الفسفاط لأبناء الحوض المنجمي والنفط لأبناء تطاوين، تحت عنوان التمييز الإيجابي لهاته الجهات المهمّشة، تطوّرت المسالة بسرعة، واخذت نوعاً من الشرعية والمشروعية تفرضه الاعتبارات المحلّية، فصار التقسيم منذ ذلك التاريخ قبلياً وبنظام المحاصصة بين المعتمديات وبين العروش...

في أكثر من موقع، وصل الامر حدّ تعطيل المشاريع والتخريب، بل والاقتتال بين سكان قرى متجاورة. في تجربة سابقة بإحدى جهات الجنوب الغربي، تعرّضنا الى موقف عجيب في تقسيم الاراضي بين "العروش" وكل قبيلة تتوعّد بأنّها لن تسمح لأي نَفَر من القرية الاخرى ان يطأ ارضها، ما اضطرّنا الى تغيير 90% من اليد العاملة ما ان انتقلنا من منطقة الى اخرى، لا يبعدان عن بعضهما أكثر من بضع مئات من الامتار، وكأننا اجتزنا فعلاً حدوداً اقليمية بين دولتين متخاصمتين!

لا يمكن ربط كل هذا بالفقر او الحاجة فحسب. هي مصالح كارتيلات محلّية اصبحت تستعمل الغضب المحلّي والتمرّد الشعبي اداةً للدفاع عن مصالحها ولتحقيق أرباحها، ما خلق تقسيمًا قائماً على مناطق نفوذ و"إمارات" مستقلّة!

هذا ويبقى منسوب العنف الذي يقترن بالتصنيف السياسي هو الاعلى والأكثر شحناً بالكراهية، فهو لا يتوقّف عند توازن المصالح بل يذهب الى ما أصبح يشبه صراعاً وجودياً يحتاج الى اسكات الآخر او الغائه. الانقسام الهوياتي-السياسي أخذ من جهته بعداً خطيراً مع انتشار الخطاب الشعبوي. حيث سطع نجم قيادات سياسيّة من مستويات ثقافية متواضعة، لكنها استثمرت في خطاب سهل وعدواني، يدغدغ المشاعر ويغازل المظلوميّة القابعة في مخيّلة الفئات المهمّشة. وتطوّر هذا المشهد مع تزايد الشعوبيين ودخولهم في حالة من المزايدة اخرجت الجدال تماماً من حدود العقل والمنطق ليتحوّل الى تراكمات من الجهل والعنف والكراهية.

ومثل هاته الحملات أدّت الى الأضرار بمصالح وطنيّة من المستوى الأوّل، وضربت دعائم الاقتصاد سواء كان نفطاً او فسفاطاً او طرقات او سككاً حديدية. بل ان هناك قناعةً بأنّ "مراكز النّفوذ" المحلّية صارت تستثمر في حالة الفوضى وتعارض اي طرح تنموي واصلاحي -إذا وجد- لأنها تصرّ على المحافظة على مستوى الغضب الشّعبي المحلّي، والذي يمكّنها من توجيهه نحو "الدّولة"، مع الابقاء على حاجتهم الى "زعاماتهم" نقابية كانت او جهوية او غير ذلك -وما يقترن بذلك من ولاء كامل.


آش يحبّ يقول؟

ربّما يستخفّ الكثيرون بما يحدث لكنّه منذر بخطر كبير. العقد الوطني الذي يجمعنا تحت راية واحدة لم ينفرط بعد، ولكنّه بدأ جدّيّاً في الانحلال. يلقي التونسيون باللوم دائماً على "ضعف الدولة" وهو صحيح، ولكن المسؤولية لا تقف عند حدود ذلك.
أعتقد ان الدولة اخطأت لما اعتمدت بعد الثورة (وحتى في السنوات الاخيرة لبن علي) خطاباً يعطي المشروعية للتحرّكات المحمولة على قاعدة جهويّة او فئوية. وأخطأت حكومات بعد الثورة أكثر من ذلك بكثير اذ اصبحت تعطي الاولوية للملفّات التي تقترن باحتجاجات واضرابات وتعطيلات فانغمست في معالجات فردية وموضعية وفقدت الدولة رؤيتها الاستراتيجية الشاملة واصبحت الاوضاع مشبعة بالاختلالات وبالسوابق الخاطئة.

كذلك، وامام تغير الحكومات والمسؤولين وغرق الادارة في البيروقراطية التي أرقها انعدام الاستقرار، أصبح المعتصمون والنقابيون أكثر تمكّناً وخبرة وأريحية من هياكل الدولة التي اصبحت تفاوض من منطلق ضعف واستجداء، فها هي تناشد الحسّ الوطني او هي تطلب هدنة تبحث فيها عن شيء من توازن.
يخطئ الكثيرون اذ يعتقدون ان الفوضى الحالية تقود الى فشل اقتصادي او انفجار اجتماعي فحسب. الخطر في رأيي يتعدّى هذا المستوى بكثير في رأيي اذ ان مقوّمات الدّولة الوطنية ذاتها أصبحت بصدد التآكل والانخرام. ما نعيشه اليوم هو نتاج لكلّ تناقضات دولة الاستقلال، ويأخذنا مباشرة نحو دولة فاشلة تحكمها العصابات والعصبيّات بأنواعها. ولست ابالغ إذا قلت ان تواصله قد يهدد السلم الأهلي. لا يعتقد احدكم ان قابليّة التونسي للعنف هي أقلّ مما كانت عند اللبناني قبل حربهم الاهلية، او عند السّوريّ اوائل الالفينات...
التحدّي في رأيي ثقافي ووطني قبل ان يكون اقتصاديا، وأخشى ان الطبقة الحاكمة اليوم ليست الا امتداد لمنظومة الحلول الترقيعية معدومة الأفق، ولسياسة "احييني اليوم واقتلني غداً" التي تزاولنا منذ عقود، والتي فعلت في البلاد ما لم يفعله الاستعمار!

بقدر قتامة المشهد، لا زلت اعتقد ان بلادنا تحتاج الى شيئين اثنين لتنفض عنها كل هاته الرداءة العدمية وتنهض بنفسها؛ نحتاج الى عزيمة صادقة ثابتة لتطبيق القانون، كل القانون، وعلى الجميع بدون استثناء، ومن ثمّ نحتاج الى مشروع وطني موحّد ويوحّد التونسيين في مسار واحد، ويذيب كل صراعات المصالح الذاتية فيما هو أرقي وأسمى.


Commentaires


4 de 4 commentaires pour l'article 213807

Amir1  ()  |Mardi 27 Octobre 2020 à 08h 20m |           
كلام حقيقي تماما
آن الأوان لتطبيق القانون على اللوبيات والعصابات القبلية والمدنية والنقابية أحب من أحب وكره من كره.

Sarramba  (France)  |Lundi 26 Octobre 2020 à 10h 20m |           
الكاتب يصنّف نفسه: تونسي، عربي، مسلم، متوسّطي؟؟؟ هذا هو أصل العُقدة والخطأ و "البلاء" والتفرقة والنعرة الجهويّة والقبائلية المفتعلة... لو أسبق الكاتب هويته ب "المسلم" لذابت واندثرت جل الأسباب لتّفرقة والكراهية بيننا... لأنّ المسلم أخ المسلم، والأخ في الإسلام يسبق و يَعْلُ على الأخ في الدّم، المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص، أنصر أخاك ظالم أو مظلوما... " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا اِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ اِنَّ اللهَ عَلَيْكُمْ خَبِيرٌ" صدق الله العظيم - الحجرات- 13

BenMoussa  (Tunisia)  |Lundi 26 Octobre 2020 à 09h 45m |           
آش يحبّ يقول سي حامد ؟
الله اعلم ...
افكار مشتتة مبغثرة متناثرة وربما متنافرة تستدعي مجهودا جبارا للخوض خلالها والوصول الى اخرها
اعان الله من رام ذلك

Sarramba  (France)  |Lundi 26 Octobre 2020 à 09h 15m |           
أولا، الحاجة والفقر والبطالة هم الأصل والسّبب الّذييكاد أن يكون وحيدا لضهور النّزعات الجهويّة و القبائلية
عندما ندرس المجتمعات التي تُعتبر غنيّة نَجِد فيها الشّعور القومية والوحدة والنّعرة الوطنية قويّة حتى التّطرّف و العنصرية والتعصّب. أوّلها المجتمع الأمريكي، أعني الولايات المتحدة، التي كما نعرف مكونة من كل ما هب و دب من زبالة المجتمعات الأوربيّة والعبيد و أخيرا من المهاجرين الاقتصاديين من كلّ أنحاء العالم
نأخذ مثلا آخر فرنسا، التي مكونة من ألزاصضين (ألمان)، من كُرسِيكا (شعب أقرب للايطلية و لا يمت بأي صلة بالفرنك)، بالكَطَلاَنْ (شعب أندلسي قريب لشعب برشلونة)، البْرُوطُون ( شعب أصله بريطاني)، جية مدينة نيس و الصَّافَوَا ( من أصل ايطالي أختارة النتماء الى فرنسا في 1860 )، الْبَاصْكْ من (بلد الباصك الذي نصفه الثاني تحت الهيمنة الاسبانية ) نصيف النورمندي وجهات أخرى التي لا تعتبر نفسها فرنسية الأصل مثل مرسيليا والشّمال المتاخم لبلجيكا...
أغلب هاته الشعوب ناضلت بكل الطرق حت بالارهاب و الجريمة لاستقلالها و لازلت مثل الكورس
من الأكيد اذا صارت فرنسا يوما فقيرة ستخرج السكاكين و من أملها الألزاص الذين يعتبروا أنفسهم يشغلون و يجحدون لتمويل أهل مارسيليا البخلاء، علاوة كورسيكا و الباسك ... ستقوم فيها حربا أهلية لا سابق لها
نلاحض مع مثال فرنسا والاختلاف الجذري العرقي أن تونس يكاد أن لايوجد في اختلاف جذري خاصة بفضل الإسلام الذي لا يفرّق بين عربيّ و أعجميّ الاّ بالتّقوى